القائمة الرئيسية

الصفحات

تفسير الجريمة والانحراف

 

التحليل الوظيفى للجريمة والانحراف


إن الجريمة والانحراف وفقا للوظيفية تنتج عن التوتر والخلل الوظيفى والافتقار إلى آليات التنظيم والضبط الاجتماعى فقد يؤدى عدم توازن تطلعات الأفراد والجماعات مع ما يقدمه المجتمع من مكافآت وحوافز إلى انحراف بعض أفراد المجتمع ويرى دوركايم أن الوضع الذى تسقط فيه المؤثرات الإرشادية فى المجتمع يؤدى إلى عدد من الظواهر من بينها الانتحار.

تفسير الجريمة والانحراف


 ويعتبر دوركايم الجريمة والانحراف وقائع وحقائق اجتماعية وعناصر ملازمة لتطور المجتمعات الحديثة التى يتحرر فيها الأفراد من كثير من القيود والضوابط التى كانت موجودة فى المجتمعات التقليدية كما أن المجتمع الحديث يتيح للفرد مجال أوسع من الخيارات والتحرر من الامتثال والانصياع فالمجتمع لا يمكن أن يحقق الانسجام والإجماع التام حول المعايير والقيم التى تحكمه .


ويرى دوركايم أن الانحراف ضرورى للمجتمع لأنه يقوم بوظيفتين مختلفتين هما الوظيفة الأولى وظيفة تكيفية حيث أنه يحفز على الابتكار والابتداع من خلال تقديم تحديات وأفكار جديدة وبالتالى يحدث التغير فى المجتمع أما الوظيفة الثانية  للانحراف تتمثل فى المساهمة فى وضع خط واضح يفصل بين ما هو سلوك جيد وسيىء فى المجتمع فالسلوك الإجرامى قد يثير استجابة جماعية تعزز تضامن الجماعة وتؤكد المعايير الاجتماعية.


ويؤكد دوركايم على أن التنظيم الاجتماعي يشكل نظام يتحكم فى سلوك الأفراد في المجتمع وحين يختل هذا النظام فيضطرب في أداء وظيفته الضابطة، ينطلق الأفراد لتحقيق أهدافهم متجاوزين جميع الأهداف المحددة والوسائل المقررة لتحقيقها، وعندئذ تفقد الجهة التقليدية الضابطة القدرة على تصحيح مسيرة الأفراد وضبط سلوكهم فيتعرض المجتمع لحالة من عدم الانتظام والانحراف وهذا ما يحدث غالبا أثناء الأزمات الاقتصادية الحادة أو أثناء الازدهار الاقتصادي المفاجئ أو نتيجة للتغير التقني السريع حيث يسعى الأفراد لتحقيق أهداف ليس بوسعهم تحقيقها أو قد يكون من المستحيل عليهم تحقيقها فى بعض الأحيان.

 

واعتبر روبرت ميرتون أن الضغوط المفروضة على سلوك الفرد عندما تتعارض المعايير المقبولة مع الواقع الاجتماعى تساهم فى تشكيل النزعة الإجرامية فى المجتمع وأن الإنحراف قد يكون نتيجة عدم المساواة الاقتصادية وعدم تكافؤ الفرص فأوضاع التفاوت واللا مساواة المستمرة وحالة الحرمان النسبى تعتبر عنصرا هاما فى ظهور السلوك المنحرف.


ويوضح ميرتون كيف أن بعض الانحرافات تعتبر أنماط سلوكية جديدة قد تظهر من الجماعات الفرعية وتتعارض مع النماذج النظامية التي تفرضها جماعات أخرى غيرها كما يفرضها القانون ولذلك فهو يرى أنه ربما يكون من الخطأ أن يوصف عدم الامتثال لنظم معينة بأنه سلوك إنحرافي لأن عدم الامتثال ربما يمثل بداية أو منطلقا لنموذج بديل وجديد يدعو للاعتراف بمصداقية الأخلاق وبشرعيته في المجتمع حيث حاول ميرتون العمل على توسيع نطاق نظرية التحليل الوظيفي لاستيعاب مشكلات التغيرات الاجتماعي والثقافي .

 

ويشير ميرتون إلى الصراع بين الأهداف المحددة ثقافيا والمعايير النظامية بإعتبارها مصدر اللامعيارية فالصراعات بين المعايير التي تتمسك بها جماعات فرعية مختلفة داخل المجتمع الواحد غالبا ما تنتج عن قبول وامتثال شديد للمعايير في كل جماعة فرعية، وهذا الصراع بين القيم والمتفق عليها ثقافيا والمعوقات البنائية الاجتماعية الموجودة أمام هذه القيم هو الذي يمارس الضغط نحو السلوك المنحرف ويدمر النسق المعياري.

 

ويشير ميرتون إلى أن بعض الأفراد يتعرضون أكثر من غيرهم للضغوط التى تظهر نتيجة الانفصال بين الأهداف الثقافية والوسائل الفعالة لتحقيقها هذا لأنهم يشغلون وضعا مهما من الناحية الموضوعية داخل الجماعة بالإضافة إلى أن شخصياتهم تتمتع بخصائص معين  وفي هذا الصدد يمكن أن تعزز الظروف الأسرية استهداف الضغوط اللامعيارية ومن ثم فهم أكثر عرضة للسلوك الانحرافي أو انتهاك المعايير النظامية الذي يكافأ في بعض الحالات من خلال النجاح في تحقيق الأهداف وهذا يعنى أن السلوك الانحرافي لا يؤثر على الأفراد الذين شاركوا فيه فقط بل على الأفراد الآخرين المرتبطين بهم ارتباط متبادل في النسق.


إن وضوح السلوك الانحرافي يميل إلى التقليل من شرعية المعايير النظامية بالنسبة للآخرين بل وإلى إلغاء هذه الشرعية بشكل نهائي حيث تؤدى هذه العملية إلى إتساع نطاق اللامعيارية  داخل النسق ،وهكذا نظر ميرتون إلى كل من اللامعيارية والسلوك الانحرافي على أنهما يمثلان متغيران مستقلان يعتمدان في النسق الواحد في علاقته بالآخر .


ويرى ميرتون أن الانحراف يمثل استجابة طبيعية من جانب الأفراد للأوضاع التى يعيشون فيها ويصنف الاستجابات وأنماط الفعل المحتملة تجاه حالات التوتر والتجاذب القائمة بين القيم المتعارف عليها اجتماعيا والوسائل المحدودة لتحقيقها تتمثل فى:

 

نمط الامتثال : ويحدث هذا النوع من التكيف عندما يتقبل الأفراد الأهداف الثقافية ويلتزمون بها وفى نفس الوقت يقبلون الأساليب المحددة من قبل النظام الاجتماعى كطرق مشروعة لتحقيق هذه الأهداف.


نمط الإبداع أو الابتكار :يعنى أن نسبة كبيرة من الأفراد فى المجتمع يقبلون أهداف النجاح التى تؤكدها الثقافة ولكنهم يجدون فرص تحقيق هذه الأهداف مغلقة أمامهم لأن توزيع هذه الفرص غير متكافىء وفى هذه الحالة يرفضون الأساليب المشروعة ويبتدعون الأساليب غير المشروعة لتحقيق الهدف.

 

نمط الطقوسية: يتمثل هذا النمط فى التخلى عن الأهداف الثقافية للنجاح الفردى وتحقيق الثروة أو تقليل مستوى الطموح الفردى حتى يصل إلى مستوى منخفض يمكن معه إشباع هذا الطموح ،وفى نفس الوقت يظل الفرد بشكل شبه قهري ملتزم بالأساليب المشروعة فى تحقيق الأهداف حتى لو لم تحقق له شيء.

 

نمط الإنسحابية:إن الفرد الذى يلجأ لهذا النمط يعيش فى المجتمع لكنه ليس جزء منه أى أنه لا يشارك فى الاتفاق الجماعى على القيم المجتمعية وينسحب ويتخلى عن الأهداف والأساليب التى يحددها النسق.

نمط التمرد: يتسم هذا النمط بإدانة الأهداف وطرق تحقيقها ويرى ميرتون أن السلوك المتمرد يحدث عندما يزداد الإحباط بشكل خطير ومشاعر الحرمان الناتجة عن  الفشل فى تحقيق الأهداف من خلال القنوات المشروعة وعندما تكون هانك جماعات تقدم أيديولوجية قادرة على تعبئة مشاعر الحرمان.

 

 

المراجع

نجيب بولماين، الجريمة والمسألة  السوسيولوجية : دراسة بأبعادها السيوثقافية والقانونية ، رسالة دكتوراة ، كلية العلوم الإنسانية ،جامعة منتورى،قسطنطينية

حلمى درديرى، الجريمة والانحراف :دراسة نظرية، 2015،مركز البصيرة للبحوث والإستشارات والخدمات التعليمية،ع17


تعليقات